فصل: فَصْلٌ: (عَلَامَاتُ السُّكْرِ):

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين (نسخة منقحة)



.فَصْلٌ: الْبَسْطُ:

قَالَ صَاحِبُ الْمَنَازِلِ:
بَابُ الْبَسْطِ: قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ}.
قُلْتُ: وَجْهُ تَعَلُّقِهِ بِإِشَارَةِ الْآيَةِ: هُوَ أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ يُعَيِّشُكُمْ فِيمَا خَلَقَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعَامِ الْمَذْكُورَةِ. قَالَ الْكَلْبِيُّ: يُكَثِّرُكُمْ فِي هَذَا التَّزْوِيجِ، وَلَوْلَا هَذَا التَّزْوِيجُ لَمْ يَكْثُرِ النَّسْلُ، وَالْمَعْنَى: يَخْلُقُكُمْ فِي هَذَا الْوَجْهِ الَّذِي ذُكِرَ مِنْ جَعْلِهِ لَكُمْ أَزْوَاجًا، فَإِنَّ سَبَبَ خَلْقِنَا وَخَلْقِ الْحَيَوَانِ: بِالْأَزْوَاجِ، وَالضَّمِيرِ فِي قَوْلِهِ: فِيهِ يَرْجِعُ إِلَى الْجَعْلِ، وَمَعْنَى الذَّرْءِ: الْخَلْقُ، وَهُوَ هُنَا الْخَلْقُ الْكَثِيرُ، فَهُوَ خَلْقٌ وَتَكْثِيرٌ، فَقِيلَ فِي بِمَعْنَى الْبَاءِ؛ أَيْ: يُكَثِّرُكُمْ بِذَلِكَ، وَهَذَا قَوْلُ الْكُوفِيِّينَ، وَالصَّحِيحُ: أَنَّهَا عَلَى بَابِهَا، وَالْفِعْلُ تَضَمَّنَ مَعْنَى يُنْشِئُكُمْ وَهُوَ يَتَعَدَّى بِفِي، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {وَنُنْشِئَكُمْ فِي مَا لَا تَعْلَمُونَ} فَهَذَا تَفْسِيرُ الْآيَةِ.
وَلَمَّا كَانَتِ الْحَيَاةُ حَيَاتَيْنِ: حَيَاةَ الْأَبْدَانِ، وَحَيَاةَ الْأَرْوَاحِ، وَهُوَ سُبْحَانَهُ الَّذِي يُحْيِي قُلُوبَ أَوْلِيَائِهِ وَأَرْوَاحِهِمْ بِإِكْرَامِهِ وَلُطْفِهِ وَبَسْطِهِ- كَانَ ذَلِكَ تَنْمِيَةً لَهَا وَتَكْثِيرًا وَذَرْءًا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قَالَ صَاحِبُ الْمَنَازِلِ: الْبَسْطُ: أَنْ يُرْسِلَ شَوَاهِدَ الْعَبْدِ فِي مَدَارِجِ الْعِلْمِ، وَيُسْبِلَ عَلَى بَاطِنِهِ رِدَاءَ الِاخْتِصَاصِ، وَهُمْ أَهْلُ التَّلْبِيسِ، وَإِنَّمَا بُسِطُوا فِي مَيْدَانِ الْبَسْطِ، بَعْدَ ثَلَاثِ مَعَانٍ، لِكُلِّ مَعْنًى طَائِفَةٌ.
يُرِيدُ: أَنَّ الْبَسْطَ إِرْسَالُ ظَوَاهِرِ الْعَبْدِ وَأَعْمَالِهِ عَلَى مُقْتَضَى الْعِلْمِ، وَيَكُونُ بَاطِنُهُ مَغْمُورًا بِالْمُرَاقَبَةِ وَالْمَحَبَّةِ وَالْأُنْسِ بِاللَّهِ، فَيَكُونُ جَمَالُهُ فِي ظَاهِرِهِ وَبَاطِنِهِ، فَظَاهِرُهُ قَدِ اكْتَسَى الْجَمَالَ بِمُوجِبِ الْعِلْمِ، وَبَاطِنُهُ قَدِ اكْتَسَى الْجَمَالَ بِالْمَحَبَّةِ وَالرَّجَاءِ وَالْخَوْفِ وَالْمُرَاقَبَةِ وَالْأُنْسِ، فَالْأَعْمَالُ الظَّاهِرَةُ لَهُ دِثَارٌ، وَالْأَحْوَالُ الْبَاطِنَةُ لَهُ شِعَارٌ، فَلَا حَالُهُ يُنْقِصُ عَلَيْهِ ظَاهِرَ حُكْمِهِ، وَلَا عِلْمُهُ يَقْطَعُ وَارِدَ حَالِهِ، وَقَدْ جَمَعَ سُبْحَانَهُ بَيْنَ الْجَمَالَيْنِ- أَعْنِي جَمَالَ الظَّاهِرِ وَجَمَالَ الْبَاطِنِ- فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ مِنْ كِتَابِهِ.
مِنْهَا: قَوْلُهُ تَعَالَى: {يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ}.
وَمِنْهَا: قَوْلُهُ تَعَالَى فِي نِسَاءِ الْجَنَّةِ: {فِيهِنَّ خَيْرَاتٌ حِسَانٌ} فَهُنَّ حِسَانُ الْوُجُوهِ، خَيِّرَاتُ الْأَخْلَاقِ.
وَمِنْهَا: قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا} فَالنَّضْرَةُ جَمَالُ الْوُجُوهِ، وَالسُّرُورُ جَمَالُ الْقُلُوبِ.
وَمِنْهَا: قَوْلُهُ تَعَالَى: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ} فَالنَّضْرَةُ تُزَيِّنُ ظَوَاهِرَهُمْ، وَالنَّظَرُ يُجَمِّلُ بَوَاطِنَهُمْ.
وَمِنْهَا: قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَحُلُّوا أَسَاوِرَ مِنْ فِضَّةٍ وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا} فَالْأَسَاوِرُ جَمَّلَتْ ظَوَاهِرَهُمْ، وَالشَّرَابُ الطَّهُورُ طَهَّرَ بَوَاطِنَهُمْ.
وَمِنْهَا: قَوْلُهُ تَعَالَى: {إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ وَحِفْظًا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ مَارِدٍ} فَجَمَّلَ ظَاهِرَهَا بِالْكَوَاكِبِ، وَبَاطِنَهَا بِالْحِرَاسَةِ مِنَ الشَّيَاطِينِ.
رَجَعْنَا إِلَى شَرْحِ كَلَامِهِ.
قَوْلُهُ: وَهُمْ أَهْلُ التَّلْبِيسِ يَعْنِي: أَنَّهُمُ الْمَذْكُورُونَ فِي بَابِ الْقَبْضِ وَهُمُ الْفِرْقَةُ الثَّانِيَةُ الَّذِينَ سُتِرُوا بِلِبَاسِ التَّلْبِيسِ عَنْ أَعْيُنِ النَّاسِ. فَلَا تَرَى حَقَائِقَهُمْ.
قَوْلُهُ: وَإِنَّمَا بُسِطُوا فِي مَيْدَانِ الْبَسْطِ أَيْ: بَسَطَهُمُ الْحَقُّ سُبْحَانَهُ عَلَى لِسَانِ رَسُولِهِ، لَا مَا يَظُنُّهُ الْمُلْحِدُ أَنَّهُ السَّمَاعُ الشَّهِيُّ، وَمُلَاحَظَةُ الْمَنْظَرِ الْبَهِيِّ، وَرُؤْيَةُ الصُّوَرِ الْمُسْتَحْسَنَاتِ، وَسَمَاعُ الْآلَاتِ الْمُطْرِبَاتِ.
نَعَمْ هَذَا مَيْدَانٌ بَسَطَهُ الشَّيْطَانُ يَقْتَطِعُ بِهِ النُّفُوسَ عَنِ الْمَيْدَانِ الَّذِي نَصَبَهُ الرَّحْمَنُ، فَمَيْدَانُ الرَّحْمَنِ الَّذِي بَسَطَهُ هُوَ الَّذِي نَصَبَهُ لِأَنْبِيَائِهِ وَأَوْلِيَائِهِ، وَهُوَ مَا كَانَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَعَ أَصْحَابِهِ وَأَهْلِهِ، وَمَعَ الْغَرِيبِ وَالْقَرِيبِ، وَهِيَ سِعَةُ الصَّدْرِ، وَدَوَامُ الْبِشْرِ، وَحُسْنُ الْخُلُقِ، وَالسَّلَامُ عَلَى مَنْ لَقِيَهُ، وَالْوُقُوفُ مَعَ مَنِ اسْتَوْقَفَهُ، وَالْمِزَاحُ بِالْحَقِّ مَعَ الصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ أَحْيَانًا، وَإِجَابَةُ الدَّعْوَةِ، وَلِينُ الْجَانِبِ حَتَّى يَظُنَّ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ أَصْحَابِهِ أَنَّهُ أَحَبُّهُمْ إِلَيْهِ، وَهَذَا الْمَيْدَانُ لَا تَجِدُ فِيهِ إِلَّا وَاجِبًا، أَوْ مُسْتَحَبًّا، أَوْ مُبَاحًا يُعِينُ عَلَيْهِمَا.
قَوْلُهُ: فَطَائِفَةٌ بُسِطَتْ رَحْمَةً لِلْخَلْقِ، يُبَاسِطُونَهُمْ وَيُلَابِسُونَهُمْ، فَيَسْتَضِيئُونَ بِنُورِهِمْ، وَالْحَقَائِقُ مَجْمُوعَةٌ، وَالسَّرَائِرُ مَصُونَةٌ.
جَعَلَ اللَّهُ انْبِسَاطَهُمْ مَعَ الْخَلْقِ رَحْمَةً لَهُمْ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ} فَالرَّبُّ سُبْحَانَهُ بَسَطَ هَؤُلَاءِ مَعَ خَلْقِهِ؛ لِيَقْتَدِيَ بِهِمُ السَّالِكُ، وَيَهْتَدِيَ بِهِمُ الْحَيْرَانُ، وَيُشْفَى بِهِمُ الْعَلِيلُ، وَيُسْتَضَاءَ بِنُورِ هِدَايَتِهِمْ وَنُصْحِهِمْ وَمَعْرِفَتِهِمْ فِي ظُلُمَاتِ دَيَاجِي الطَّبْعِ وَالْهَوَى، فَالسَّالِكُونَ يَقْتَدُونَ بِهِمْ إِذَا سَكَتُوا، وَيَنْتَفِعُونَ بِكَلِمَاتِهِمْ إِذَا نَطَقُوا، فَإِنَّ حَرَكَاتِهُمْ وَسُكُونَهُمْ لَمَّا كَانَتْ بِاللَّهِ وَلِلَّهِ وَعَلَى أَمْرِ اللَّهِ جَذَبَتْ قُلُوبَ الصَّادِقِينَ إِلَيْهِمْ، وَهَذَا النُّورُ الَّذِي أَضَاءَ عَلَى النَّاسِ مِنْهُمْ هُوَ نُورُ الْعِلْمِ وَالْمَعْرِفَةِ.
وَالْعُلَمَاءُ ثَلَاثَةٌ: عَالِمٌ اسْتَنَارَ بِنُورِهِ وَاسْتَنَارَ بِهِ النَّاسُ، فَهَذَا مِنْ خُلَفَاءِ الرُّسُلِ وَوَرَثَةِ الْأَنْبِيَاءِ، وَعَالِمٌ اسْتَنَارَ بِنُورِهِ، وَلَمْ يَسْتَنِرْ بِهِ غَيْرُهُ، فَهَذَا إِنْ لَمْ يُفَرِّطْ كَانَ نَفْعُهُ قَاصِرًا عَلَى نَفْسِهِ، فَبَيْنَهُ وَبَيْنَ الْأَوَّلِ مَا بَيْنَهُمَا، وَعَالِمٌ لَمْ يَسْتَنِرْ بِنُورِهِ وَلَا اسْتَنَارَ بِهِ غَيْرُهُ، فَهَذَا عِلْمُهُ وَبَالٌ عَلَيْهِ، وَبَسْطَتُهُ لِلنَّاسِ فِتْنَةٌ لَهُمْ، وَبَسْطَةُ الْأَوَّلِ رَحْمَةٌ لَهُمْ.
قَوْلُهُ: وَالْحَقَائِقُ مَجْمُوعَةٌ، وَالسَّرَائِرُ مَصُونَةٌ أَيِ: انْبَسَطُوا وَالْحَقَائِقُ الَّتِي فِي سَرَائِرِهِمْ مَجْمُوعَةٌ فِي بَوَاطِنِهِمْ، فَالِانْبِسَاطُ لَمْ يُشَتِّتْ قُلُوبَهُمْ، وَلَمْ يُفَرِّقْ هِمَمَهُمْ، وَلَمْ يُحِلَّ عَقْدَ عَزَائِمِهِمْ.
قَوْلُهُ: وَسَرَائِرُهُمْ مَصُونَةٌ مَسْتُورَةٌ لَمْ يَكْشِفُوهَا لِمَنِ انْبَسَطُوا إِلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ الْبَسْطُ يَقْتَضِي الْإِلْفَ، وَاطِّلَاعَ كُلٍّ مِنَ الْمُتَبَاسِطَيْنِ عَلَى سِرِّ صَاحِبِهِ، فَإِيَّاكَ ثُمَّ إِيَّاكَ أَنْ تُطْلِعَ مَنْ بَاسَطْتَهُ عَلَى سِرِّكَ مَعَ اللَّهِ، وَلَكِنِ اجْذِبْهُ وَشَوِّقْهُ، وَاحْفَظْ وَدِيعَةَ اللَّهِ عِنْدَكَ، لَا تُعَرِّضْهَا لِلِاسْتِرْجَاعِ.
قَالَ: وَطَائِفَةٌ بُسِطَتْ لِقُوَّةِ مُعَايَنَتِهِمْ، وَتَصْمِيمِ مَنَاظِرِهِمْ؛ لِأَنَّهُمْ طَائِفَةٌ لَا تُخَالِجُ الشَّوَاهِدُ مَشْهُودَهُمْ، وَلَا تَضْرِبُ رِيَاحُ الرُّسُومِ مَوْجُودَهُمْ، فَهُمْ مَبْسُوطُونَ فِي قَبْضَةِ الْقَبْضِ،
إِنَّمَا كَانَتْ هَذِهِ الدَّرَجَةُ أَعْلَى مِمَّا قَبْلَهَا؛ لِأَنَّ مَا قَبْلَهَا لِأَرْبَابِ الْأَعْمَالِ، وَهَذِهِ لِأَرْبَابِ الْأَحْوَالِ، بُسِطَتِ الْأُولَى: رَحْمَةً لِلْخَلْقِ، وَبُسِطَتْ هَذِهِ: اخْتِصَاصًا بِالْحَقِّ.
وَقَوْلُهُ: لِقُوَّةِ مُعَايَنَتِهِمْ إِمَّا أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى: لِقُوَّةِ إِدْرَاكِ مُعَايَنَتِهِمْ، أَوْ لِقُوَّةِ ظُهُورِ مُعَايَنَتِهِمْ لِبَوَاطِنِهِمْ، أَوْ لِقُوَّتِهَا وَبَيَانِهَا فِي نَفْسِهَا.
وَالْمَعْنَى: أَنَّهُ لَا يَطْمَعُ الْبَسْطُ أَنْ يَحْجُبَهُمْ عَنْ مُعَايَنَةِ مَطْلُوبِهِمْ؛ لِأَنَّ قُوَّةَ الْمُعَايَنَةِ مَنَعَتْ وُصُولَ الْبَسْطِ إِلَى إِزَالَتِهَا وَإِضْعَافِهَا.
قَوْلُهُ: وَتَصْمِيمُ مَنَاظِرِهِمْ يَعْنِي ثَبَاتَ مَنَاظِرِ قُلُوبِهِمْ وَصِحَّتِهَا، فَلَيْسُوا مِمَّنْ يَحُولُ بَيْنَ نَظَرِ قُلُوبِهِمْ وَبَيْنَ مَا تَرَاهُ قَتَرٌ مِنْ شَكٍّ، وَلَا غَيْمٌ مِنْ رَيْبٍ، فَاللَّطِيفَةُ الْإِنْسَانِيَّةُ الْمُدْرِكَةُ لِحَقِيقَةِ مَا أَخْبَرُوا بِهِ مِنَ الْغَيْبِ صَحِيحَةٌ، وَهِيَ شَدِيدَةُ التَّوَجُّهِ إِلَى مَشْهُودِهَا، فَلَمْ يَقْدِرِ الْبَسْطُ عَلَى حَجْبِهَا عَنْ مَشْهُودِهَا.
قَوْلُهُ: لِأَنَّهُمْ طَائِفَةٌ لَا تُخَالِجُ الشَّوَاهِدُ مُشْهُودَهُمْ أَيْ: لَا تُمَازِجُ الشَّوَاهِدُ مَشْهُودَهُمْ، فَيَكُونُ إِدْرَاكُهُمْ بِالِاسْتِدْلَالِ، بَلْ مَشْهُودُهُمْ حَاضِرٌ لَهُمْ، لَمْ يُدْرِكُوهُ بِغَيْرِهِ، فَلَا تُخَالِطُ مُشَاهَدَتُهُمْ لَهُ شَوَاهِدَ مِنْ غَيْرِهِ، وَالشَّوَاهِدُ مِثْلَ الْأَمَارَاتِ وَالْعَلَامَاتِ.
وَهَذَا الْكَلَامُ يَحْتَاجُ إِلَى شَرْحٍ وَبَيَانٍ وَتَفْصِيلٍ.
فَإِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ أَقَامَ الشَّوَاهِدَ عَلَيْهِ، وَمَلَأَ بِهَا كِتَابَهُ، وَهَدَى عِبَادَهُ إِلَى النَّظَرِ فِيهَا وَالِاسْتِدْلَالِ بِهَا، وَلَكِنَّ الْعَارِفَ إِذَا حَصَلَ لَهُ مِنْهَا الدَّلَالَةُ، وَوَصَلَ مِنْهَا إِلَى الْيَقِينِ انْطَوَى حُكْمُهَا عَنْ شُهُودِهِ، وَسَافَرَ قَلْبُهُ مِنْهَا إِلَى الْمَطْلُوبِ الْمَدْلُولِ عَلَيْهِ بِهَا، وَرَآهَا كُلَّهَا أَثَرًا مِنْ آثَارِ أَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ وَأَفْعَالِهِ، الْمَشْهُودِ الْمَدْلُولِ عَلَيْهِ بِهَا مُعَايَنَةَ الْقَلْبِ وَالْبَصِيرَةِ لِلصَّانِعِ إِذَا عَايَنَ صَنْعَتَهُ، فَكَأَنَّهُ يَرَى الْبَانِيَ وَهُوَ يَبْنِي مَا شَاهَدَهُ مِنَ الْبِنَاءِ الْمُحْكَمِ الْمُتْقَنِ؛ لِأَنَّ الشَّوَاهِدَ وَالْأَدِلَّةَ تَبْطُلُ وَيَبْطُلُ حُكْمُهَا.
فَتَأَمَّلْ هَذَا الْمَوْضِعَ، فَإِنَّهُ قَدْ غَلِطَ فِيهِ فَرِيقَانِ: فَرِيقٌ أَسَاءُوا الظَّنَّ بِمَنْ طَوَى حُكْمَ الشَّوَاهِدِ وَالْأَدِلَّةِ، وَنَسَبُوهُمْ إِلَى مَا نَسَبُوهُمْ إِلَيْهِ، وَفَرِيقٌ رَأَوْا أَنَّ الشَّوَاهِدَ نَفْسُ الْمَشْهُودِ، وَالدَّلِيلُ عَيْنُ الْمَدْلُولِ عَلَيْهِ، وَلَكِنْ كَانَ فِي الِابْتِدَاءِ شَاهِدًا وَدَلِيلًا، وَفِي الِانْتِهَاءِ مَشْهُودًا وَمَدْلُولًا.
قَوْلُهُ: وَلَا تَضْرِبُ رِيَاحُ الرُّسُومِ مَوْجُودَهُمْ شَبَّهَ الرُّسُومَ بِالرِّيَاحِ؛ لِأَنَّ مَعَانِيَ الصُّوَرِ الْخَلْقِيَّةِ تَمُرُّ عَلَى أَهْلِ الشُّهُودِ الضَّعِيفِ، فَتُحَرِّكُ بَوَاطِنَهُمْ بِنَوْعٍ مِنَ الشَّكِّ وَالرَّيْبِ، فَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ بَسَطَهُمُ الْحَقُّ تَعَالَى سَالِمُونَ مِنْ ذَلِكَ.
قَوْلُهُ: فَهُمْ مُنْبَسِطُونَ فِي قَبْضَةِ الْقَبْضِ أَيْ: هُمْ فِي حَالِ انْبِسَاطِهِمْ غَيْرُ مَحْجُوبِينَ عَنْ مَعَانِي الْقَبْضِ، بَلْ هُمْ مَبْسُوطُونَ بِقَبْضِهِ إِيَّاهُمْ عَنْ غَيْرِهِ، فَلَا يَتَنَافَى فِي حَقِّهِمُ الْبَسْطُ وَالْقَبْضُ، بَلْ قَبْضُهُمْ إِلَيْهِ فِي بَسْطِهِمْ، وَبَسْطُهُمْ بِهِ فِي قَبْضِهِمْ، وَجَعَلَ لِلْقَبْضِ قَبْضَةً تَرْشِيحًا لِلِاسْتِعَارَةِ.
قَالَ: وَطَائِفَةٌ بُسِطَتْ أَعْلَامًا عَلَى الطَّرِيقِ، وَأَئِمَّةً لِلْهُدَى، وَمَصَابِيحَ لِلسَّالِكِينَ.
إِنَّمَا كَانَتْ هَذِهِ الْفِرْقَةُ أَعْلَى مِنَ الْفِرْقَتَيْنِ؛ لِأَنَّهَا شَارَكَتْهُمَا فِي دَرَجَتَيْهِمَا، وَاخْتَصَّتْ عَنْهُمَا بِهَذِهِ الدَّرَجَةِ، فَاتَّصَفَتْ بِمَا اتَّصَفَتْ بِهِ الْأُولَى مِنَ الْأَعْمَالِ، وَاتَّصَفَتْ بِمَا اتَّصَفَتْ بِهِ الثَّانِيَةُ مِنَ الْأَحْوَالِ، وَزَادَتْ عَلَيْهِمَا بِالنَّفْعِ لِلسَّالِكِينَ، وَالْهِدَايَةِ لِلْحَائِرِينَ، وَالْإِرْشَادِ لِلطَّالِبِينَ، فَاهْتَدَى بِهِمُ الْحَائِرُ، وَسَارَ بِهِمُ الْوَاقِفُ. وَاسْتَقَامَ بِهِمُ الْحَانِدُ، وَأَقْبَلَ بِهِمُ الْمُعْرِضُ، وَكَمُلَ بِهِمُ النَّاقِصُ، وَرَجَعَ بِهِمُ النَّاكِصُ، وَتَقَوَّى بِهِمُ الضَّعِيفُ، وَتَنَبَّهَ عَلَى الْمَقْصُودِ مَنْ هُوَ فِي الطَّرِيقِ، وَهَؤُلَاءِ هُمْ خُلَفَاءُ الرُّسُلِ حَقًّا، وَهُمْ أُولُو الْبَصَرِ وَالْيَقِينِ، فَجَمَعُوا بَيْنَ الْبَصِيرَةِ وَالْبَصَرِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ} فَنَالُوا إِمَامَةَ الدِّينِ، بِالصَّبْرِ وَالْيَقِينِ.

.فَصْلٌ: السُّكْرُ:

قَالَ صَاحِبُ الْمَنَازِلِ: بَابُ السُّكْرِ: قَالَ اللَّهُ تَعَالَى حَاكِيًا عَنْ مُوسَى كَلِيمِهِ: {رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ}.
وَجْهُ اسْتِدْلَالِهِ بِإِشَارَةِ الْآيَةِ أَنَّ مُوسَى لَمَّا اسْتَقَرَّ فِي قَلْبِهِ وَرُوحِهِ، وَسَمِعِهِ وَبَصَرِهِ الِاسْتِلْذَاذُ بِكَلَامِ رَبِّهِ لَهُ، فَحَصَلَ لَهُ مِنْ سَمَاعِ ذَلِكَ الْكَلَامِ، وَطِيبِ ذَلِكَ الْخِطَابِ، وَلَذَّةِ ذَلِكَ التَّكْلِيمِ مَا يَجِلُّ وَيَعْظُمُ وَيَكْبُرُ أَنْ يُسَمَّى سُكْرًا، أَوْ يُشَبَّهَ بِالسُّكْرِ- جَرَى عَلَى لِسَانِهِ أَنْ طَلَبَ الرُّؤْيَةَ لَهُ سُبْحَانَهُ فِي تِلْكَ الْحَالِ.
قَالَ: السُّكْرُ فِي هَذَا الْبَابِ اسْمٌ يُشَارُ بِهِ إِلَى سُقُوطِ التَّمَالُكِ فِي الطَّرَبِ، وَهَذَا مِنْ مَقَامَاتِ الْمُحِبِّينَ خَاصَّةً، فَإِنَّ عُيُونَ الْفَنَاءِ لَا تَقْبَلُهُ، وَمَنَازِلَ الْعِلْمِ لَا تَبْلُغُهُ.
قَوْلُهُ: يُشَارُ بِهِ إِلَى سُقُوطِ التَّمَالُكِ يَعْنِي: عَدَمَ الصَّبْرِ، تَقُولُ: مَا تَمَالَكْتُ أَنْ أَفْعَلَ كَذَا؛ أَيْ: مَا قَدِرْتُ أَنْ أَصْبِرَ عَنْهُ، فَكَأَنَّهُ قَالَ: هُوَ اسْمٌ لِقُوَّةِ الطَّرَبِ الَّذِي لَا يَدْفَعُهُ الصَّبْرُ.
وَهَذَا الْمَعْنَى لَمْ يُعَبَّرْ عَنْهُ فِي الْقُرْآنِ وَلَا فِي السُّنَّةِ، وَلَا الْعَارِفُونَ مِنَ السَّلَفِ بِالسُّكْرِ أَصْلًا، وَإِنَّمَا ذَلِكَ مِنَ اصْطِلَاحِ الْمُتَأَخِّرِينَ، وَهُوَ بِئْسَ الِاصْطِلَاحُ؛ فَإِنَّ لَفْظَ السُّكْرِ وَالْمُسْكِرِ مِنَ الْأَلْفَاظِ الْمَذْمُومَةِ شَرْعًا وَعَقْلًا، وَعَامَّةُ مَا يُسْتَعْمَلُ فِي السُّكْرِ الْمَذْمُومِ الَّذِي يَمْقُتُهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى} وَعَبَّرَ بِهِ سُبْحَانَهُ عَنِ الْهَوْلِ الشَّدِيدِ الَّذِي يَحْصُلُ لِلنَّاسِ عِنْدَ قِيَامِ السَّاعَةِ فَقَالَ تَعَالَى: {وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ} وَيُقَالُ: فُلَانٌ أَسْكَرَهُ حُبُّ الدُّنْيَا، وَكَذَلِكَ يُسْتَعْمَلُ فِي سُكْرِ الْهَوَى الْمَذْمُومِ، فَأَيْنَ أَطْلَقَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ أَوْ رَسُولُهُ عَنِ الصَّحَابَةِ أَوْ أَئِمَّةُ الطَّرِيقِ الْمُتَقَدِّمُونَ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى الشَّرِيفِ الَّذِي هُوَ مَنْ أَشْرَفِ أَحْوَالِ مُحِبِّيهِ وَعَابِدِيهِ اسْمَ السُّكْرِ الْمُسْتَعْمَلَ فِي سُكْرِ الْخَمْرِ، وَسُكْرِ الْفَوَاحِشِ؟ كَمَا قَالَ عَنْ قَوْمِ لُوطٍ {لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ} فَوَصَفَ بِالسُّكْرِ أَرْبَابَ الْفَوَاحِشِ، وَأَرْبَابَ الشَّرَابِ الْمُسْكِرِ، فَلَا يَلِيقُ اسْتِعْمَالُهُ فِي أَشْرَفِ الْأَحْوَالِ وَالْمَقَامَاتِ، وَلَا سِيَّمَا فِي قِسْمِ الْحَقَائِقِ، وَلَا يُطْلَقُ عَلَى كَلِيمِ الرَّحْمَنِ اسْمُ السُّكْرِ فِي تِلْكَ الْحَالِ، وَالِاصْطِلَاحَاتُ لَا مُشَاحَّةَ فِيهَا إِذَا لَمْ تَتَضَمَّنْ مَفْسَدَةً.
وَأَيْضًا فَمِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّ هَذَا الْحَالَ يَحْصُلُ فِي الْجَنَّةِ عِنْدَ رُؤْيَةِ الرَّبِّ تَعَالَى، وَسَمَاعِ كَلَامِهِ عَلَى أَتَمِّ الْوُجُوهِ، وَلَا يُسَمَّى سُكْرًا، وَنَحْنُ لَا نُنْكِرُ الْمَعْنَى الْمُشَارَ إِلَيْهِ بِهَذَا الِاسْمِ، وَإِنَّمَا الْمُنْكَرُ تَسْمِيَتُهُ بِهَذَا الِاسْمِ، وَلَا سِيَّمَا إِذَا انْضَافَ إِلَى ذَلِكَ اسْمُ الشَّرَابِ أَوْ تَسْمِيَةُ الْمَعَارِفِ بِالْخَمْرِ، وَالْوَارِدَاتِ بِالْكُؤُوسِ، وَاللَّهِ جَلَّ جَلَالُهُ بِالسَّاقِي، فَهَذِهِ الِاسْتِعَارَاتُ وَالتَّسْمِيَةُ هِيَ الَّتِي فَتَحَتْ هَذَا الْبَابَ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ: وَهُوَ مِنْ مَقَامَاتِ الْمُحِبِّينَ خَاصَّةً فَلَا بُدَّ مِنْ بَيَانِ حَقِيقَةِ السُّكْرِ وَسَبَبِهِ وَتَوَلُّدِهِ، وَهَلْ هُوَ مَقْدُورٌ أَوْ غَيْرُ مَقْدُورٍ، وَبَيَانُ انْقِسَامِهِ بِاعْتِبَارِ ذَاتِهِ وَأَسْبَابِهِ وَمَحَلِّهِ، لِتَكُونَ الْفَائِدَةُ بِذَلِكَ أَتَمَّ.
فَنَقُولُ- وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ-: السُّكْرُ لَذَّةٌ وَنَشْوَةٌ يَغِيبُ مَعَهَا الْعَقْلُ الَّذِي يَحْصُلُ بِهِ التَّمْيِيزُ، فَلَا يَعْلَمُ صَاحِبُهُ مَا يَقُولُ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ} فَجَعَلَ الْغَايَةَ الَّتِي يَزُولُ بِهَا حُكْمُ السُّكْرِ أَنْ يَعْلَمَ مَا يَقُولُ، فَإِذَا عَلِمَ مَا يَقُولُ خَرَجَ عَنْ حَدِّ السُّكْرِ، قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: السَّكْرَانُ مَنْ لَمْ يَعْرِفْ ثَوْبَهُ مِنْ ثَوْبِ غَيْرِهِ، وَنَعْلَهُ مِنْ نَعْلِ غَيْرِهِ، وَيُذْكَرُ عَنِ الشَّافِعِيِّ: أَنَّهُ قَالَ: إِذَا اخْتَلَطَ كَلَامُهُ الْمَنْظُومُ، وَأَفْشَى سِرَّهُ الْمَكْتُومَ.
فَالسُّكْرُ يَجْمَعُ مَعْنَيَيْنِ: وُجُودُ لَذَّةٍ، وَعَدَمُ تَمْيِيزٍ، وَقَاصِدُ السُّكْرِ قَدْ يَقْصِدُهُمَا جَمِيعًا، وَقَدْ يَقْصِدُ أَحَدَهُمَا، فَإِنَّ النَّفْسَ لَهَا هَوًى وَشَهَوَاتٌ تَلْتَذُّ بِإِدْرَاكِهَا، وَالْعِلْمُ بِمَا فِي تِلْكَ اللَّذَّاتِ مِنَ الْمَفَاسِدِ الْعَاجِلَةِ وَالْآجِلَةِ يَمْنَعُهَا مِنْ تَنَاوُلِهَا، وَالْعَقْلُ يَأْمُرُهَا بِأَنْ لَا تَفْعَلَ، فَإِذَا زَالَ الْعِلْمُ الْكَاشِفُ الْمُمَيِّزُ وَالْعَقْلُ الْآمِرُ النَّاهِي انْبَسَطَتِ النَّفْسُ فِي هَوَاهَا، وَصَادَفَتْ مَجَالًا وَاسِعًا.
وَحَرَّمَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ السُّكْرَ لِشَيْئَيْنِ، ذَكَرَهُمَا فِي كِتَابِهِ، وَهُمَا إِيقَاعُ الْعَدَاوَةِ وَالْبَغْضَاءِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ، وَالصَّدُّ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ، وَذَلِكَ يَتَضَمَّنُ حُصُولَ الْمَفْسَدَةِ النَّاشِئَةِ مِنَ النُّفُوسِ بِوَاسِطَةِ زَوَالِ الْعَقْلِ، وَانْتِفَاءِ الْمَصْلَحَةِ الَّتِي لَا تَتِمُّ إِلَّا بِالْعَقْلِ، وَإِيقَاعِ الْعَدَاوَةِ مِنَ الْأَوَّلِ، وَالصَّدِّ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ مِنَ الثَّانِي.
وَقَدْ يَكُونُ سَبَبُ السُّكْرِ غَيْرَ تَنَاوُلِ الْمُسْكِرِ: إِمَّا أَلَمٌ شَدِيدٌ يَغِيبُ بِهِ الْعَقْلُ، حَتَّى يَكُونَ كَالسَّكْرَانِ، وَقَدْ يَكُونُ سَبَبُهُ مَخُوفٌ عَظِيمٌ هَجَمَ عَلَيْهِ وَهْلَةً وَاحِدَةً حَتَّى يَغِيبَ عَقْلُ مَنْ هَجَمَ عَلَيْهِ، وَمِنْ هَذَا قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ} فَهُمْ سُكَارَى مِنَ الدَّهَشِ وَالْخَوْفِ، وَلَيْسُوا بِسُكَارَى مِنَ الشَّرَابِ، فَسُكْرُهُمْ سُكْرُ خَوْفٍ وَدَهَشٍ، لَا سُكْرُ لَذَّةٍ وَطَرَبٍ.
وَقَدْ يَكُونُ سَبَبُهُ قُوَّةُ الْفَرَحِ بِإِدْرَاكِ الْمَحْبُوبِ، بِحَيْثُ يَخْتَلِطُ كَلَامُهُ، وَتَتَغَيَّرُ أَفْعَالُهُ، بِحَيْثُ يَزُولُ عَقْلُهُ، وَيُعَرْبِدُ أَعْظَمَ مِنْ عَرْبَدَةِ شَارِبِ الْخَمْرِ، وَرُبَّمَا قَتَلَهُ سُكْرُ هَذَا الْفَرَحِ لِسَبَبٍ طَبِيعِيٍّ، وَهُوَ انْبِسَاطُ دَمِ الْقَلْبِ وَهْلَةً وَاحِدَةً انْبِسَاطًا غَيْرَ مُعْتَادٍ، وَالدَّمُ حَامِلُ الْحَارِّ الْغَرِيزِيِّ، فَيَبْرُدُ الْقَلْبُ بِسَبَبِ انْبِسَاطِ الدَّمِ عَنْهُ، فَيَحْدُثُ الْمَوْتُ، وَمِنْ هَذَا قَوْلُ سَكْرَانِ الْفَرَحِ بِوَجْدِ رَاحِلَتِهِ فِي الْمَفَازَةِ، بَعْدَ أَنِ اسْتَشْعَرَ الْمَوْتَ «اللَّهُمَّ أَنْتَ عَبْدِي وَأَنَا رَبُّكَ أَخْطَأَ مِنْ شِدَّةِ فَرَحِهِ» وَسَكْرَةُ الْفَرَحِ فَوْقَ سَكْرَةِ الشَّرَابِ، فَصَوِّرْ فِي نَفْسِكَ حَالَ فَقِيرٍ مَعْدُومٍ، عَاشِقٍ لِلدُّنْيَا أَشَدَّ الْعِشْقِ، ظَفِرَ بِكَنْزٍ عَظِيمٍ، فَاسْتَوْلَى عَلَيْهِ آمِنًا مُطْمَئِنًّا، كَيْفَ تَكُونُ سَكْرَتُهُ؟ أَوْ مَنْ غَابَ عَنْهُ غُلَامُهُ بِمَالٍ لَهُ عَظِيمٍ مُدَّةَ سِنِينَ، حَتَّى أَضَرَّ بِهِ الْعَدَمُ، فَقَدِمَ عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِ انْتِظَارٍ لَهُ بِمَالِهِ كُلِّهِ، وَقَدْ كَسَبَ أَضْعَافَهُ؟
وَقَدْ يُوجِبُهُ غَضَبٌ شَدِيدٌ، يَحُولُ بَيْنَ الْغَضْبَانِ وَبَيْنَ تَمْيِيزِهِ، بَلْ قَدْ يَكُونُ سُكْرُ الْغَضَبِ أَقْوَى مِنْ سُكْرِ الطَّرَبِ، وَلِهَذَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «لَا يَقْضِ الْقَاضِي بَيْنَ اثْنَيْنِ وَهُوَ غَضْبَانُ» وَلَا يَسْتَرِيبُ مَنْ شَمَّ رَائِحَةَ الْفِقْهِ أَنَّ الْغَضَبَ إِذَا وَصَلَ بِصَاحِبِهِ إِلَى هَذِهِ الْحَالِ، فَطَلَّقَ لَمْ يَقَعْ طَلَاقُهُ، وَقَدْ نَصَّ الْإِمَامُ أَحْمَدُ عَلَى أَنَّ الْإِغْلَاقَ الَّذِي قَالَ فِيهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «لَا طَلَاقَ وَلَا عَتَاقَ فِي إِغْلَاقٍ» أَنَّهُ الْغَضَبُ، وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ: أَظُنُّهُ الْغَضَبَ، وَالشَّافِعِيُّ سَمَّى نَذْرَ اللَّجَاجِ وَالْغَضَبِ نَذْرَ الْغَلْقِ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ الْغَضْبَانَ قَدِ انْغَلَقَ عَلَيْهِ بَابُ الْقَصْدِ وَالتَّمْيِيزِ بِشِدَّةِ غَضَبِهِ، وَإِذَا كَانَ الْإِكْرَاهُ غَلْقًا فَالْغَضَبُ الشَّدِيدُ أَوْلَى أَنْ يَكُونَ غَلْقًا، وَكَذَلِكَ السُّكْرُ غَلْقٌ، وَالْجُنُونُ غَلْقٌ. فَالْغَلْقُ- وَالْإِغْلَاقُ أَيْضًا- كَلِمَةٌ جَامِعَةٌ لِمَنِ انْغَلَقَ عَلَيْهِ بَابُ الْقَصْدِ وَالتَّمْيِيزِ بِسَبَبٍ مِنَ الْأَسْبَابِ. وَقَدْ أَشْبَعْنَا الْكَلَامَ فِي هَذَا فِي كِتَابِنَا الْمُسَمَّى إِغَاثَةَ اللَّهْفَانِ فِي طَلَاقِ الْغَضْبَانِ.

.فَصْلٌ: [أَسْبَابُ السُّكْرِ]:

وَمِنْ أَسْبَابِ السُّكْرِ: حُبُّ الصُّوَرِ وَغَيْرِهَا، سَوَاءٌ كَانَتْ مُبَاحَةً أَوْ مُحَرَّمَةً، فَإِنَّ الْحُبَّ إِذَا اسْتَحْكَمَ وَقَوِيَ أَسْكَرَ صَاحِبَهُ، وَهَذَا مَشْهُورٌ فِي أَشْعَارِهِمْ وَكَلَامِهِمْ، كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ:
سُكْرَانِ: سُكْرُ هَوًى وَسُكْرُ مُدَامَةٍ ** وَمَتَى إِفَاقَةُ مَنْ بِهِ سُكْرَانِ

وَقَالَ آخَرُ مِنْ أَبْيَاتٍ:
تَسْقِيكَ مِنْ عَيْنِهَا خَمْرًا وَمِنْ يَدِهَا ** خَمْرًا فَمَا لَكَ مِنْ سُكْرَيْنِ مِنْ بُدِّ

لِي سَكْرَتَانِ وَلِلنَّدْمَانِ وَاحِــدَةٌ ** شَيْءٌ خُصِصْتُ بِهِ مِنْ بَيْنِهِمْ وَحْدِي

وَفِي الْمُسْنَدِ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «حُبُّكَ الشَّيْءَ يُعْمِي وَيُصِمُّ» أَيْ: يُعْمِي عَنْ رُؤْيَةِ مَسَاوِئِ الْمَحْبُوبِ، وَيُصِمُّ عَنْ سَمَاعِ الْعَذْلِ وَاللَّوْمِ فِيهِ، وَإِذَا تَمَكَّنَ وَاسْتَمْكَنَ أَعْمَى قَلْبَهُ وَأَصَمَّهُ بِالْكُلِّيَّةِ، وَهَذَا أَبْلَغُ مِنَ السُّكْرِ، فَإِذَا انْضَمَّ إِلَى سُكْرِ الْمَحَبَّةِ فَرْحَةُ الْوِصَالِ قَوِيَ السُّكْرُ وَتَضَاعَفَ، فَيَخْرُجُ صَاحِبُهُ عَنْ حُكْمِ الْعَقْلِ وَهُوَ لَا يَشْعُرُ، وَأَكْثَرُ مَا نَرَى مِنْ عَرْبَدَةِ الْعَاشِقِ وَتَخْلِيطِهِ هُوَ مِنْ هَذَا السُّكْرِ، وَلَكِنْ لَمَّا أَلِفَ النَّاسُ ذَلِكَ، وَاشْتَرَكُوا فِيهِ لَمْ يُنْكِرُوهُ، وَإِنَّمَا يُنْكِرُهُ مَنْ كَانَ خَارِجًا عَنْهُ، فَإِذَا أَفَاقُوا بَيْنَ الْأَمْوَاتِ عَلِمُوا أَنَّهُمْ حِينَئِذٍ كَانُوا فِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ.

.فَصْلٌ: وَمِنْ أَقْوَى أَسْبَابِ السُّكْرِ:

الْمُوجِبَةِ لَهُ سَمَاعُ الْأَصْوَاتِ الْمُطْرِبَةِ، لَا سِيَّمَا إِنْ كَانَتْ مِنْ صُورَةٍ مُسْتَحْسَنَةٍ، وَصَادَفَتْ مَحَلًّا قَابِلًا، فَلَا تَسْأَلُ عَنْ سُكْرِ السَّامِعِ، وَهَذَا السُّكْرُ يَحْدُثُ عِنْدَهَا مِنْ جِهَتَيْنِ:
إِحْدَاهُمَا: أَنَّهَا فِي نَفْسِهَا تُوجِبُ لَذَّةً قَوِيَّةً يَنْغَمِرُ مَعَهَا الْعَقْلُ.
الثَّانِيَةُ: أَنَّهَا تُحَرِّكُ النَّفْسَ إِلَى نَحْوِ مَحْبُوبِهَا وَجِهَتِهِ، كَائِنًا مَنْ كَانَ، فَيَحْصُلُ بِتِلْكَ الْحَرَكَةِ وَالشَّوْقِ وَالطَّلَبِ- مَعَ التَّخَيُّلِ لِلْمَحْبُوبِ، وَإِحْضَارِهِ فِي النَّفْسِ، وَإِدْنَاءِ صُورَتِهِ إِلَى الْقَلْبِ، وَاسْتِيلَائِهَا عَلَى الْفِكْرِ- لَذَّةٌ عَظِيمَةٌ تَقْهَرُ الْعَقْلَ، فَتَجْتَمِعُ لَذَّةُ الْأَلْحَانِ، وَلَذَّةُ الْأَشْجَانِ، فَتَسْكَرُ الرُّوحُ سُكْرًا عَجِيبًا، أَقْوَى وَأَلَذَّ مِنْ سُكْرِ الشَّرَابِ، وَتَحْصُلُ بِهِ نَشْوَةٌ أَلَذُّ مِنْ نَشْوَةِ الشَّرَابِ.
وَمِنْ هَاهُنَا اسْتَشْهَدَ الشَّيْخُ عَلَى السُّكْرِ بِقَوْلِ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ لَمَّا سَمِعَ كَلَامَ الرَّبِّ جَلَّ جَلَالُهُ: {رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ} وَقَدْ ذَكَرَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ: أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى يَقُولُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لِدَاوُدَ: «مَجِّدْنِي بِذَلِكَ الصَّوْتِ الَّذِي كُنْتَ تُمَجِّدُنِي بِهِ فِي الدُّنْيَا، فَيَقُولُ: يَا رَبِّ، كَيْفَ؟ وَقَدْ أَذْهَبَتْهُ الْمَعْصِيَةُ؟ فَيَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: أَنَا أَرُدُّهُ عَلَيْكَ، فَيَقُومُ عِنْدَ سَاقِ الْعَرْشِ فَيُمَجِّدُهُ، فَإِذَا سَمِعَ أَهْلُ الْجَنَّةِ صَوْتَهُ اسْتَفْرَغَ نَعِيمَ أَهْلِ الْجَنَّةِ» وَأَعْظَمُ مِنْ ذَلِكَ إِذَا سَمِعُوا كَلَامَ الرَّبِّ جَلَّ جَلَالُهُ وَخِطَابَهُ لَهُمْ مِنْهُ إِلَيْهِمْ بِلَا وَاسِطَةٍ، وَقَدْذَكَرَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ فِي كِتَابِ السُّنَّةِ أَثَرًا فِي ذَلِكَ: كَأَنَّ النَّاسَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لَمْ يَسْمَعُوا الْقُرْآنَ إِذَا سَمِعُوهُ مِنَ الرَّحْمَنِ جَلَّ جَلَالُهُ.
فَإِذَا انْضَافَ إِلَى ذَلِكَ: رُؤْيَتُهُمْ وَجْهَهُ الْكَرِيمَ- الَّذِي تُغْنِيهِمْ لَذَّةُ رُؤْيَتِهِ عَنِ الْجَنَّةِ وَنَعِيمِهَا- فَأَمَلًا لَا تُدْرِكُهُ الْعِبَارَةُ، وَلَا قَلِيلًا مِنْ كَثِيرٍ، فَهَذَا صَوْتٌ لَا يَلِجُ كُلَّ أُذُنٍ، وَصَيِّبٌ لَا تَحْيَا بِهِ كُلُّ أَرْضٍ، وَعَيْنٌ لَا يَشْرَبُ مِنْهَا كُلُّ وَارِدٍ، وَسَمَاعٌ لَا يَطْرُبُ عَلَيْهِ كُلُّ سَامِعٍ، وَمَائِدَةٌ لَا يَجْلِسُ عَلَيْهَا طُفَيْلِيٌّ.
فَلْنَرْجِعْ إِلَى مَا نَحْنُ بِصَدَدِهِ، فَنَقُولُ:
السُّكْرُ سَبَبُهُ اللَّذَّةُ الْقَاهِرَةُ لِلْعَقْلِ، وَسَبَبُ اللَّذَّةِ إِدْرَاكُ الْمَحْبُوبِ، فَإِذَا كَانَتِ الْمَحَبَّةُ قَوِيَّةً، وَإِدْرَاكُ الْمَحْبُوبِ قَوِيًّا، كَانَتِ اللَّذَّةُ بِإِدْرَاكِهِ تَابِعَةً لِقُوَّةِ هَذَيْنِ الْأَمْرَيْنِ، فَإِذَا كَانَ الْعَقْلُ قَوِيًّا مُسْتَحْكَمًا لَمْ يَتَغَيَّرْ لِذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ ضَعِيفًا حَدَثَ السُّكْرُ الْمُخْرِجُ لَهُ عَنْ حُكْمِهِ، فَقَدْ يُضَافُ إِلَى قُوَّةِ الْوَارِدِ، وَقَدْ يُضَافُ إِلَى ضَعْفِ الْمَحَلِّ، وَقَدْ يَجْتَمِعُ الْأَمْرَانِ.
قَالَ صَاحِبُ الْمَنَازِلِ: وَعُيُونُ الْفَنَاءِ لَا تَقْبَلُهُ، وَمَنَازِلُ الْعِلْمِ لَا تَبْلُغُهُ.
لَمَّا كَانَ الْفَنَاءُ يُفْنِي مِنَ الْعَبْدِ كُلَّ مَا سِوَى مَشْهُودِهِ، وَيُفْنِي مَعَانِيَ كُلِّ شَيْءٍ، وَكَانَ السُّكْرُ كَمَا حَدَّهُ بِأَنَّهُ سُقُوطُ التَّمَالُكِ فِي الطَّرَبِ- كَانَ فِي السَّكْرَانِ بَقِيَّةُ طَرَبٍ بِهَا، وَأَحَسَّ بِهَا بِطَرَبِهِ، بِحَيْثُ لَمْ يَتَمَالَكْ فِي الطَّرَبِ، وَالْفَنَاءُ يَأْبَى ذَلِكَ، فَحَقَائِقُهُ لَا تَقْبَلُ السُّكْرَ،
وَالْحَاصِلُ: أَنَّ الْفَنَاءَ اسْتِغْرَاقٌ مَحْضٌ، وَالسُّكْرَ مَعَهُ لَذَّةٌ وَطَرَبٌ لَا يَتَمَالَكُ صَاحِبُهَا، وَلَا يَقْدِرُ أَنْ يَفْنَى عَنْهَا.
وَالْمَقْصُودُ: أَنَّ السُّكْرَ لَيْسَ مِنْ أَعْلَى مَقَامَاتِ الْعَارِفِينَ الْوَاصِلِينَ؛ لِأَنَّ أَعْلَى مَقَامَاتِهِمْ هُوَ الْفَنَاءُ عِنْدَهُ، فَمَقَامُهُمْ لَا يَقْبَلُ السُّكْرَ.
قَوْلُهُ: وَمَنَازِلُ الْعِلْمِ لَا تَبْلُغُهُ صَحِيحٌ، فَإِنَّ عِلْمَ الْمَحَبَّةِ وَالشَّوْقِ وَالْعِشْقِ شَيْءٌ وَحَالَ الْمَحَبَّةِ شَيْءٌ آخَرُ، وَالسُّكْرُ لَا يَنْشَأُ عَنْ عِلْمِ الْمَحَبَّةِ، وَإِنَّمَا يَنْشَأُ عَنْ حَالِهَا، فَكَأَنَّهُ يَقُولُ: السُّكْرُ صِفَةٌ وَحَالَةُ نَقْصٍ لِمَنْ مَقَامُهُ فَوْقَ مَقَامِ الْعِلْمِ، وَدُونَ مَقَامِ الشُّهُودِ وَالْفَنَاءِ، وَهُوَ مُخْتَصٌّ بِالْمَحَبَّةِ؛ لِأَنَّ الْمَحَبَّةَ هِيَ آخِرُ مَنْزِلَةٍ يَلْتَقِي فِيهَا مُقَدِّمَةُ الْعَامَّةِ- وَهُمْ أَهْلُ طَوْرِ الْعِلْمِ- وَسَاقَةُ الْخَاصَّةِ- وَهُمْ أَهْلُ طَوْرِ الشُّهُودِ وَالْفِنَاءِ- فَالْبَرْزَخُ الْحَاصِلُ بَيْنَ الْمَقَامَيْنِ: هُوَ مَقَامُ الْمَحَبَّةِ، فَاخْتُصَّ بِهِ السُّكْرُ.

.فَصْلٌ: [عَلَامَاتُ السُّكْرِ]:

قَالَ: وَلِلسُّكْرِ ثَلَاثُ عَلَامَاتٍ: الضِّيقُ عَنْ الِاشْتِغَالِ بِالْخَبَرِ، وَالتَّعْظِيمُ قَائِمٌ. وَاقْتِحَامُ لُجَّةِ الشَّوْقِ، وَالتَّمَكُّنُ دَائِمٌ. وَالْغَرَقُ فِي بَحْرِ السُّرُورِ، وَالصَّبْرُ هَائِمٌ.
يُرِيدُ: أَنَّ الْمُحِبَّ تَشْغَلُهُ شِدَّةُ وَجْدِهِ بِالْمَحْبُوبِ، وَحُضُورُ قَلْبِهِ مَعَهُ، وَذَوَبَانُ جَوَارِحِهِ مِنْ شِدَّةِ الْحُبِّ عَنْ سَمَاعِ الْخَبَرِ عَنْهُ، وَهَذَا الْكَلَامُ لَيْسَ عَلَى إِطْلَاقِهِ، فَإِنَّ الْمُحِبَّ الصَّادِقَ أَحَبُّ شَيْءٍ إِلَيْهِ الْخَبَرُ عَنْ مَحْبُوبِهِ وَذِكْرِهِ، كَمَا قَالَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: لَوْ طَهُرَتْ قُلُوبُنَا لَمَا شَبِعَتْ مِنْ كَلَامِ اللَّهِ، وَقَالَ بَعْضُ الْعَارِفِينَ: كَيْفَ يَشْبَعُونَ مِنْ كَلَامِ مَحْبُوبِهِمْ، وَهُوَ غَايَةُ مَطْلُوبِهِمْ؟
وَالَّذِي يُرِيدُهُ الشَّيْخُ وَأَمْثَالُهُ بِهَذَا: أَنَّ الْمُحِبَّ الصَّادِقَ يَمْتَلِئُ قَلْبُهُ بِالْمَحَبَّةِ، فَتَكُونُ هِيَ الْغَالِبَةُ عَلَيْهِ، فَتَحْمِلُهُ غَلَبَتُهَا وَتَمَكُّنُهَا عَلَى أَنْ لَا يَغْفَلَ عَنْ مَحْبُوبِهِ، وَلَا يَشْتَغِلَ قَلْبُهُ بِغَيْرِهِ أَلْبَتَّةَ، فَيَسْمَعُ مِنَ الْفَارِغِينَ مَا وَرَدَ فِي حَقِّ الْمُحِبِّينَ، وَيَسْمَعُ مِنْهُمْ أَوْصَافَ حَبِيبِهِ وَالْخَبَرَ عَنْهُ، فَلَا يَكَادُ يَصْبِرُ عَلَى أَنْ يَسْمَعَ ذَلِكَ أَبَدًا، لِضِيقِ قَلْبِهِ عَنْ سَمَاعِهِ مِنْ قَلْبٍ غَافِلٍ، وَإِلَّا فَلَوْ سَمِعَ هَذَا الْخَبَرَ مِمَّنْ هُوَ شَرِيكُهُ فِي شَجْوِهِ وَأَنِيسُهُ فِي طَرِيقِهِ، وَصَاحِبُهُ فِي سَفَرِهِ لَمَا ضَاقَ عَنْهُ، بَلْ لَاتَّسَعَ لَهُ غَايَةَ الِاتِّسَاعِ فَهَذَا وَجْهٌ.
وَوَجْهٌ ثَانٍ وَهُوَ: أَنَّ السَّكْرَانَ بِالْمَحَبَّةِ قَدِ امْتَلَأَ قَلْبُهُ بِمُشَاهَدَةِ الْمَحْبُوبِ، فَاجْتَمَعَتْ قُوَى قَلْبِهِ وَهَمِّهِ وَإِرَادَتِهِ عَلَيْهِ، وَمَعَانِي الْخَبَرِ فِيهَا كَثْرَةٌ، وَانْتِقَالٌ مِنْ مَعْنًى إِلَى مَعْنًى، فَقَلْبُهُ يَضِيقُ فِي هَذِهِ الْحَالِ عَنْهَا حَتَّى إِذَا صَحَا اتَّسَعَ قَلْبُهُ لَهَا.
قَوْلُهُ: وَالتَّعْظِيمُ قَائِمٌ أَيْ: ضِيقُ قَلْبِهِ عَنِ اشْتِغَالِهِ بِالْخَبَرِ لَيْسَ اطِّرَاحًا لَهُ وَرَغْبَةً عَنْهُ، وَكَيْفَ؟ وَهُوَ خَبَرٌ عَنْ مَحْبُوبِهِ وَارِدًا مِنْهُ؟ بَلْ لِضِيقِهِ فِي تِلْكَ الْحَالِ عَنْ الِاشْتِغَالِ بِهِ، وَتَعْظِيمِهِ قَائِمٌ فِي قَلْبِهِ، فَهُوَ مَشْغُولٌ بِوَجْدِهِ وَحَالِهِ عَمَّا يُفَرِّقُهُ عَنْهُ، وَهَذَا يَحْسُنُ إِذَا كَانَ الْمُشْتَغَلُ بِهِ أَحَبَّ إِلَى حَبِيبِهِ مِنَ الْمُشْتَغَلِ عَنْهُ، فَأَمَّا إِذَا كَانَ مَا أَعْرَضَ عَنْهُ أَحَبَّ إِلَى الْحَبِيبِ مِمَّا اشْتَغَلَ بِهِ فَشَرْعُ الْمَحَبَّةِ يُوجِبُ عَلَيْهِ إِيثَارَ أَعْظَمِ الْمَحْبُوبَيْنِ إِلَى حَبِيبِهِ، وَإِلَّا كَانَ مَعَ نَفْسِهِ وَوَجْدِهِ وَلَذَّتِهِ.
قَوْلُهُ: وَاقْتِحَامُ لُجَّةِ الشَّوْقِ وَالتَّمَكُّنُ دَائِمٌ اقْتِحَامُ لُجَّةِ الشَّوْقِ: هُوَ رُكُوبُ بَحْرِهِ، وَتَوَسُّطُهُ، لَا الدُّخُولُ فِي حَاشِيَتِهِ وَطَرَفِهِ، وَالتَّمَكُّنُ الْمُشَارُ إِلَيْهِ: هُوَ لُزُومُ أَحْكَامِ الْعِلْمِ مِنَ الْعَمَلِ بِهِ، وَلُزُومُ أَحْكَامِ الْوَرَعِ، وَالْقِيَامِ بِالْأَوْرَادِ الشَّرْعِيَّةِ، فَلُزُومُ ذَلِكَ وَدَوَامُهُ عَلَامَةُ صِحَّةِ الشَّوْقِ.
قَوْلُهُ: وَالْغَرَقُ فِي بَحْرِ السُّرُورِ، وَالصَّبْرُ هَائِمٌ أَيْ: يَكُونُ الْمُحِبُّ غَرِيقًا فِي بَحْرِ السُّرُورِ، وَلَا يُفَارِقُهُ السُّرُورُ، حَتَّى كَأَنَّهُ بَحْرٌ قَدْ غَرِقَ فِيهِ، فَكَمَا أَنَّ الْغَرِيقَ لَا يُفَارِقُهُ الْمَاءُ، كَذَلِكَ الْمُحِبُّ لَا يُفَارِقُهُ السُّرُورُ، وَمَنْ ذَاقَ مَقَامَ الْمَحَبَّةِ عَرَفَ صِحَّةَ مَا يَقُولُهُ الشَّيْخُ، فَإِنَّ نَعِيمَ الْمَحَبَّةِ فِي الدُّنْيَا رَقِيقُهُ وَلَطِيفُهُ مِنْ نَعِيمِ الْجَنَّةِ فِي الْآخِرَةِ، بَلْ هُوَ جَنَّةُ الدُّنْيَا، فَمَا طَابَتِ الدُّنْيَا إِلَّا بِمَعْرِفَةِ اللَّهِ وَمَحَبَّتِهِ، وَلَا الْجَنَّةُ إِلَّا بِرُؤْيَتِهِ وَمُشَاهَدَتِهِ، فَنَعِيمُ الْمُحِبِّ دَائِمٌ، وَإِنْ مُزِجَ بِالْآلَامِ أَحْيَانًا، فَلَوْ عَرَفَ الْمَشْغُولُونَ بِغَيْرِ الْحَقِّ سُبْحَانَهُ مَا فِيهِ أَهْلُ مَحَبَّتِهِ، وَذِكْرِهِ وَمَعْرِفَتِهِ مِنَ النَّعِيمِ لَتَقَطَّعَتْ قُلُوبُهُمْ حَسَرَاتٍ، وَلَعَلِمُوا أَنَّ الَّذِي حَصَّلُوهُ لَا نِسْبَةَ لَهُ إِلَى مَا ضَيَّعُوهُ وَحُرِمُوهُ.
كَمَا قِيلَ:
وَلَا خَيْرَ فِي الدُّنْيَا وَلَا فِي نَعِيمِــهَا ** وَأَنْتَ وَحِيدٌ مُفْرَدٌ غَيْرُ عَاشِقِ

وَقَالَ الْآخَرُ:
وَمَا النَّاسُ إِلَّا الْعَاشِقُونَ ذُوُو الْهَوَى ** وَلَا خَيْرَ فِيمَنْ لَا يُحِبُّ وَيَعْشَقُ

وَقَالَ الْآخَرُ:
هَلِ الْعَيْشُ إِلَّا أَنْ تَرُوحَ وَتَغْتَــدِي ** وَأَنْتَ بِكَأْسِ الْعِشْقِ فِي النَّاسِ نَشْوَانُ

وَقَالَ الْآخَرُ:
وَمَا تَلِفَتْ إِلَّا مِنَ الْعِشْقِ مُهْجَتِـي ** وَهَلْ طَابَ عَيْشٌ لِامْرِئٍ غَيْرِ عَاشِقِ

وَقَالَ الْآخَرُ:
وَمَا سَرَّنِي أَنِّي خَلِيٌّ مِنَ الْهَــوَى ** وَلَوْ أَنَّ لِي مَا بَيْنَ شَرْقٍ وَمَغْـرِبِ

وَقَالَ الْآخَرُ:
وَلَا خَيْرَ فِي الدُّنْيَا بِغَيْرِ صَبَابَـــةٍ ** وَلَا فِي نَعِيمٍ لَيْسَ فِيهِ حَبِيــبُ

وَقَالَ الْآخَرُ:
وَمَا طَابَتِ الدُّنْيَا بِغَيْرِ مَحَبَّــةٍ ** وَأَيُّ نَعِيمٍ لِامْرِئٍ غَيْرِ عَاشِــقِ

وَقَالَ الْآخَرُ:
اسْكُنْ إِلَى سَكَنٍ تَلَذُّ بِحُبِّـــهِ ** ذَهَبَ الزَّمَانُ وَأَنْتَ مُنْفَرِدٌ بِــهِ

وَقَالَ الْآخَرُ:
إِذَا لَمْ تَذُقْ فِي هَذِهِ الدَّارِ صَبْوَةً ** فَمَوْتُكَ فِيهَا وَالْحَيَاةُ سَــوَاءُ

وَقَالَ الْآخَرُ:
وَمَا ذَاقَ طَعْمَ الْعَيْشِ مَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ ** حَبِيبٌ إِلَيْهِ يَطْمَئِنُّ وَيَسْكُـــنُ

وَقَالَ الْآخَرُ:
وَلَا خَيْرَ فِي الدُّنْيَا إِذَا أَنْتَ لَمْ تَزُرْ ** حَبِيبًا وَلَا وَافَى إِلَيْكَ حَبِيــبُ

قَالَ الْآخَرُ:
يَزُورُ فَتَنْجَلِي عَنِّـي هِمُـــومٌ ** لِأَنَّ جِلَاءَ حُزْنِي فِي يَدَيْــهِ

وَيَمْضِي بِالْمَسَرَّةِ حِينَ يَمْضِـــي ** لِأَنَّ حَوَالَتِي فِيهَا عَلَيْـــهِ

قَالَ أَبُو الْمِنْجَابِ: رَأَيْتُ فِي الطَّوَافِ فَتًى نَحِيفَ الْجِسْمِ، بَيْنَ الضَّعْفِ، يَلُوذُ وَيَتَعَوَّذُ، وَيُنْشِدُ:
وَدِدْتُ بِأَنَّ الْحُبَّ يُجْمَعُ كُلَّــهُ ** فَيُقْذَفُ فِي قَلْبِي وَيَنْغَلِقُ الصَّــدْرُ

وَلَا يَنْقَضِي مَا فِي فُؤَادِي مِنَ الْهَوَى ** وَمِنْ فَرَحِي بِالْحُبِّ أَوْ يَنْقَضِي الْعُمْرُ

وَالْأَخْبَارُ فِي الْمُحِبِّينَ وَأَشْعَارِهِمْ فِي ذَلِكَ أَكْثَرُ مِنْ أَنْ تُحْصَى، هَذَا وَكُلٌّ مِنْهُمْ مُعَذَّبٌ بِمَحْبُوبِهِ سِوَى الْحَقِّ سُبْحَانَهُ، وَلَوْ ظَفِرَ بِوِصَالِهِ، فَمَا الظَّنُّ بِمَنْ قَصَرَ حُبَّهُ عَلَى الْحَبِيبِ الْأَوَّلِ؟ وَكُلَّمَا دَعَتْهُ نَفْسُهُ إِلَى مَحَبَّةِ غَيْرِهِ تَمَثَّلَ بِقَوْلِ الْقَائِلِ:
نَقِّلْ فُؤَادَكَ حَيْثُ شِئْتَ مِنَ الْهَوَى ** مَا الْحُبُّ إِلَّا لِلْحَبِيبِ الْأَوَّلِ

قَوْلُهُ: وَالصَّبْرُ هَائِمٌ أَيْ: يَكُونُ غَرِيقًا فِي سُرُورِهِ بِالْمَحَبَّةِ وَصَبْرُهُ مَفْقُودٌ، وَالْهَيَمَانُ هُوَ التَّشَتُّتُ وَالْحَيْرَةُ.
قَوْلُهُ: وَمَا سِوَى هَذَا فَحَيْرَةٌ تُنْحَلُ اسْمَ السُّكْرِ جَهْلًا، أَوْ هَيَمَانًا يُسَمَّى بِاسْمِهِ جُورًا، يَقُولُ: وَمَا سِوَى مَا ذَكَرْنَاهُ مِنَ الْعَلَامَاتِ الثَّلَاثِ- وَإِنْ كَانَ مِنَ الْمَحَبَّةِ- إِلَّا أَنَّهُ لَا يَنْبَغِي أَنْ يُسَمَّى سُكْرًا، مِثْلَ الْحَيَاةِ فَإِنَّهَا تُعْطَى اسْمَ السُّكْرِ عِنْدَ الْجُهَّالِ، وَمِثْلَ الْهَيَمَانِ فَإِنَّهُ يُسَمِّيهِ مَنْ لَا يَعْرِفُ السُّكْرَ سُكْرًا، وَذَلِكَ جَوْرٌ وَخُرُوجٌ عَنِ التَّحْقِيقِ، وَعُدُولٌ عَنِ الصَّوَابِ.
قَوْلُهُ: وَمَا سِوَى ذَلِكَ فَكُلُّهُ يُنَاقِضُ الْبَصَائِرَ، كَسُكْرِ الْحِرْصِ، وَسُكْرِ الْجَهْلِ، وَسُكْرِ الشَّهْوَةِ؛ أَيْ: هَذِهِ الْأَنْوَاعُ مِنَ السُّكْرِ أَنْوَاعٌ مَذْمُومَةٌ، تُنَاقِضُ الْبَصَائِرَ، فَسُكْرُ الْحِرْصِ يَنْشَأُ مِنْ شِدَّةِ الرَّغْبَةِ فِي الدُّنْيَا، وَعَدَمِ الزُّهْدِ فِيهَا، وَالْحَرِيصُ عَلَيْهَا سَكْرَانٌ فِي صُورَةِ صَاحٍ، وَكَذَلِكَ سُكْرُ الْجَهْلِ؛ فَإِنَّ الْجَهْلَ جَهْلَانِ: جَهْلُ الْعِلْمِ، وَجَهْلُ الْعَمَلِ، فَإِذَا تَحَكَّمَ الْجَهْلَانِ فَلَا تَسْأَلْ عَنْ سُكْرِ صَاحِبِهِمَا، وَكَذَلِكَ سُكْرُ الشَّهْوَةِ، فَإِنَّ لَهَا سُكْرًا أَشَدَّ مِنْ سُكْرِ الْخَمْرِ، وَكَذَلِكَ سُكْرُ الْغَضَبِ، وَسُكْرُ الْفَرَحِ، وَكَذَلِكَ سُكْرُ السُّلْطَانِ وَالرِّئَاسَةِ، فَإِنَّ لِلرِّئَاسَةِ سُكْرًا وَعَرْبَدَةً لَا تَخْفَى، وَكَذَلِكَ الشَّبَابُ لَهُ سَكْرَةٌ قَوِيَّةٌ، وَهِيَ شُعْبَةٌ مِنَ الْجُنُونِ، وَكَذَلِكَ الْخَوْفُ، لَهُ سَكْرَةٌ تَحُولُ بَيْنَ الْخَائِفِ وَبَيْنَ حُكْمِ الْعَقْلِ.
سَكَرَاتٌ خَمْسٌ إِذَا مُنِيَ الْمَــرْ ** ءُ بِهَا صَارَ ضِحْكَةً لِلزَّمَــــانِ

سَكْرَةُ الْحِرْصِ وَالْحَدَاثَةِ وَالْعِشْـ ** ـقِ وَسُكْرِ الشَّرَابِ وَالسُّلْطَانِ

وَآخِرُ ذَلِكَ سَكْرَةُ الْمَوْتِ الَّتِي تَأْتِي بِالْحَقِّ {هُنَالِكَ تَبْلُو كُلُّ نَفْسٍ مَا أَسْلَفَتْ وَرُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ}.